“تطوير نظامنا الديمقراطي لخدمة جميع الأردنيين”

بقلم عبدالله الثاني ابن الحسين

  كانون الثاني/ ١٦ يناير٢٠١٣

الديمقراطية في جوهرها عملية حيّة نمارسها جميعاً، مواطنين ودولة. وفي الأردن، شكَّل الدستور أساس الحياة السياسية والديمقراطية الذي طالما وفر إطاراً تنظيمياً لقراراتنا وخياراتنا على مدى تسعين عاما. وهذا هو الأساس، ولكن لا بد أن تستمر المؤسسات والقوانين بالتطور والارتقاء نحو الأفضل. لقد حققنا بالفعل تقدماً مشهوداً على هذا الطريق في السنوات الأخيرة، إذ قادت التعديلات الدستورية التي شملت ثلث الدستور إلى تعزيز الفصل والتوازن بين السلطات، ورسخت استقلال القضاء، وصون حقوق المواطن. كما تم إنشاء محكمة دستورية، وهيئة مستقلة للانتخاب. وهذه الانجازات تهدف إلى تمكين شعبنا الأردني من رسم مستقبل الوطن بشفافية وعدالة وبمشاركة الجميع.

الديمقراطية في جوهرها عملية حيّة نمارسها جميعاً، مواطنين ودولة

وقد آن الأوان لنمضي سويا في تعزيز هذه القاعدة الصلبة، والبناء عليها.

إن تكوين مجتمع ديمقراطي متقدم هو نتاج التعلّم من التجارب المتراكمة، والجهود المشتركة، وتطويره مع مرور الوقت، ولا يتم ذلك من خلال مرحلة إصلاحية محددة أو جملة إصلاحات واحدة. فالإصلاح الديمقراطي لا يختزل بمجرد تعديل للقوانين والأنظمة، إنما يتطلب تطويرا مستمرا للنهج الذي يحكم الممارسات والعلاقة بين المواطنين، والجهاز الحكومي، والنواب الذين يحملون أمانة ومسؤولية اتخاذ القرار بالنيابة عن المواطنين الذين انتخبوهم. وكما أشرت في الورقة النقاشية الأولى، فإن التزامنا بمبادئ المواطنة الحقة، والاحترام المتبادل، وممارسة واجب المساءلة، والشراكة في التضحيات والمكاسب، والحوار البناء وصولاً إلى التوافق على امتداد مسيرتنا المباركة هي من ضروريات نجاحنا كأمة في مسعاها نحو تجذير الديمقراطية.

وتباعاً، فإنني في هذه الورقة* أود أن أشارككم اجتهادي في الرأي مساهمة في الحوار الوطني حول أحد أهم جوانب التطور الديمقراطي، ألا وهو الانتقال نحو نهج الحكومات البرلمانية.

إن مبادئ مسيرتنا ونهجنا الإصلاحي راسخة وواضحة، فنحن ملتزمون برعاية وتعزيز مبدأ التعددية السياسية وصون حقوق جميع المواطنين، ومستمرون أيضا في تطوير منظومة من الضوابط العملية لمبادئ الفصل والتوازن بين السلطات وآليات الرقابة من أجل بناء نظام ديمقراطي سليم، وسنعمل على تقوية مجتمعنا المدني، وسنحرص على توفير فرصة عادلة للجميع للتنافس السياسي، والاستمرار في حماية حقوق جميع المواطنين التي كفلها الدستور. والسؤال الجوهري المطروح في هذا السياق، والذي لا بد أن نسعى جميعا للإجابة عليه: كيف سنضمن استمرار مؤسساتنا وأنظمتنا بالعمل على ترسيخ هذه المبادئ والحقوق وحمايتها ونحن ماضون في عملية التحول الديمقراطي؟ ومن المهم أن يدرك الجميع أننا سنواجه صعوبات وتحديات، وقد يكون هناك بعض الإخفاقات، ولكن سيكون هناك نجاحات أكثر، وهي متاحة للحوار والتقييم ضمن نقاش عام، وهذا أمر طبيعي، لأن هذه متطلبات التطور الديمقراطي، ودليل على مصداقيته.

سنحرص على توفير فرصة عادلة للجميع للتنافس السياسي، والاستمرار في حماية حقوق جميع المواطنين التي كفلها الدستور

الأنظمة الديمقراطية والنموذج الأردني

إن المبدأ الأساسي للديمقراطيات الحديثة يقوم على اختيار الشعب لممثلين ينوبون عنه في اتخاذ القرارات على مستوى الوطن، ومع تطوير مختلف الدول لأنظمتها الديمقراطية، برزت عدة نماذج في تطبيق هذا المبدأ الديمقراطي. ففي الجمهوريات على سبيل المثال، هناك أنظمة رئاسية وأنظمة برلمانية. وفي الأنظمة الرئاسية (كما هو الحال في فرنسا) عادة ما يُخَوَّل الرئيس المنتخب تعيين حكومة بشكل مباشر، مع اشتراط موافقة البرلمان في بعض الأحيان. وفي الأنظمة البرلمانية (كما هو الحال في تركيا) غالبا ما يتم تشكيل الحكومة من خلال رئيس وزراء يمثل حزب الأغلبية في البرلمان أو يمثل ائتلافا لأحزاب تحظى بالأغلبية.

أمّا في الملكيات الدستورية، وإلى حد شبيه بالأنظمة الجمهورية البرلمانية، فإن الحكومات غالبا ما تُشكل من قبل حزب الأغلبية المنتخب، أو ائتلاف لأحزاب تحظى بالأغلبية في المجلس التشريعي (كما هو الحال في إسبانيا وبلجيكا).

إن هناك تباينات عدّة لكل من هذه النماذج، لكن الثابت في الأمر هو أنه لا يوجد وصفة واحدة صحيحة بالمطلق تناسب جميع الدول. فالنظام السياسي لكل دولة يعكس بالمجمل التاريخ والثقافة الخاصة بها. فاليوم، وضمن محيطنا الإقليمي، نرى في مصر وتونس مساع لتطوير الأنظمة الجمهورية، فيما يشكل المغرب والأردن نماذج لملكيات دستورية. وقد تطورت ملكيتنا الدستورية على مدار تسعة عقود، وستستمر في التطور والتحديث، وستكون الخطوة التالية في هذه المسيرة المباركة بإذن الله آلية تشكيل الحكومات.

الانتقال إلى الحكومات البرلمانية

مسار تعميق ديمقراطيتنا يكمن في الانتقال إلى الحكومات البرلمانية الفاعلة

كما سبق وأشرت في أكثر من مناسبة، فإن مسار تعميق ديمقراطيتنا يكمن في الانتقال إلى الحكومات البرلمانية الفاعلة، بحيث نصل إلى مرحلة يشكل ائتلاف الأغلبية في مجلس النواب الحكومة. وفور انتهاء الانتخابات النيابية القادمة، سنباشر بإطلاق نهج الحكومات البرلمانية، ومن ضمنها كيفية اختيار رؤساء الوزراء والفريق الوزاري. وبالرغم من أن التجارب الدولية المقارنة تشير إلى الحاجة إلى عدة دورات برلمانية لإنضاج هذه الممارسة واستقرارها، إلا أن ما يحدد الإطار الزمني لعملية التحول الديمقراطي هذه هو نجاحنا في تطوير أحزاب سياسية على أساس برامجي، تستقطب غالبية أصوات المواطنين، وتتمتع بقيادات مؤهلة وقادرة على تحمل أمانة المسؤولية الحكومية.

لقد درجت الممارسة السياسية تاريخيا في الأردن على اختيار رؤساء الوزراء والفريق الوزاري على أساس مزاياهم القيادية وخبراتهم العلمية والعملية، والحصول دستوريا على ثقة مجلس النواب. وبالتالي، اعتمدت الوزارات المختلفة على ما لديها من خبرات ومعرفة للتعامل مع التحديات التي تواجه الوطن. ومع عدم وجود أحزاب سياسية فاعلة، ذات برامج وطنية قادرة على بناء الائتلافات، وعلى استقطاب غالبية أصوات المواطنين، فإن الممارسة السياسية درجت على أن إشراك نواب في الحكومات هو من باب الاستثناء وليس القاعدة. لذلك، علينا أن نباشر في بناء نظام الحكومات البرلمانية. وكخطوة أولى، فإننا سنبادر إلى تغيير آلية اختيار رئيس الوزراء بعد الانتخابات التشريعية القادمة، وفقا للمعايير التالية:

إن رئيس الوزراء القادم، والذي ليس من الضروري أن يكون عضواً في مجلس النواب، سيتم تكليفه بالتشاور مع ائتلاف الأغلبية من الكتل النيابية.
وإذا لم يبرز ائتلاف أغلبية واضح من الكتل النيابية، فإن عملية التكليف ستتم بالتشاور مع جميع الكتل النيابية.
وبدوره، سيقوم رئيس الوزراء المكلّف بالتشاور مع الكتل النيابية لتشكيل الحكومة البرلمانية الجديدة والاتفاق على برنامجها، والتي ينبغي عليها الحصول على ثقة مجلس النواب، والاستمرار بالمحافظة عليها.
إنني على قناعة تامة بضرورة الاستمرار في تطوير هذه الآلية، استنادا إلى ما نتعلمه من تجربتنا، ونضوج نظام الحكومات البرلمانية، منطلقين من هذه الخطوة نحو تطبيق نهج الحكومات البرلمانية الشامل.

متطلبات التحول الديمقراطي الناجح

إن الوصول إلى نظام الحكومات البرلمانية الشامل يعتمد على ثلاثة متطلبات أساسية ترتكز على الخبرة المتراكمة والأداء الفاعل، وهي:

أولاً: حاجتنا إلى بروز أحزاب وطنية فاعلة وقادرة على التعبير عن مصالح وأولويات وهموم المجتمعات المحلية ضمن برامج وطنية قابلة للتطبيق. ولا شك أن هذه العملية تحتاج إلى وقت حتى تنضج. ومع وصول أحزاب سياسية تتنافس على مستوى وطني، ووفق برامج تمتد لأربع سنوات إلى مجلس النواب، وحصولها على مزيد من المقاعد، وتشكيلها لكتل نيابية ذات قواعد صلبة، سيكون هناك قدرة أكبر على إشراك نواب كوزراء في الحكومة.

ثانياً: سيكون على الجهاز الحكومي تطوير عمله على أسس من المهنية والحياد، بعيدا عن تسييس العمل، لمساندة وإرشاد وزراء الحكومات البرلمانية، خاصة وأن هذا النموذج يعني بمفهومه الأشمل أن الوزراء الذين يكلفون لتولي حقائب معينة قد لا يتمتعون بخبرة عملية سابقة في مجال عمل الوزارات التي سيتولونها (مفهوم الوزير السياسي مقارنة بالوزير التكنوقراطي). ولذا، فمن الضروري أن يصبح الجهاز الحكومي مرجعاً موثوقاً للمعرفة والمساندة الفنية والمهنية، ومن المهم أيضاً أن يعتمد الوزراء على خبرات هذا الجهاز في صنع القرار.

ثالثاً: تغيير الأعراف البرلمانية من خلال تطوير النظام الداخلي لمجلس النواب بما يعزز نهج الحكومات البرلمانية، وعلى مجلس النواب المباشرة بذلك والاستمرار في بناء هذه الأعراف وتطويرها. والهدف من هذا الأمر، هو أن تساهم هذه الأعراف في تأطير آلية تشكيل الحكومات من خلال التشاور والتوافق بين الكتل النيابية. وهذا سيتطلب بلورة فهم مشترك حول كيفية وصول هذه الكتل إلى وضع برامج تعكس سياسات متفق عليها كأساس للتعاون والاستقرار الحكومي. وبالمقابل، فإن أحزاب المعارضة بحاجة إلى بلورة أعراف مماثلة تحكم آلية التعاون فيما بينها من أجل مساءلة الحكومات وعرض رؤى بناءة بديلة (كحكومة ظل). ولا شك أن دور المعارضة هذا يشكل أحد عناصر النجاح لتجربة الحكومات البرلمانية.

نظرة مستقبلية: الأدوار والمسؤوليات

إن السرعة والنجاح في تطبيق المتطلبات الثلاثة أعلاه يشكلان عنصراً أساسيا في عملية الانتقال الناجح نحو الحكومات البرلمانية، وهي أساس التحول الديمقراطي في نظامنا السياسي. وخلال مرورنا في عملية الانتقال هذه سيترتب على العديد من مؤسساتنا السياسية وفئات مجتمعنا لعب أدوار مختلفة وتحمل مسؤوليات جديدة. وفي الورقة النقاشية الثالثة، سأسعى إلى تقديم اجتهاد يوضح أدوار ومسؤوليات جميع أطراف المعادلة السياسية، وسأقترح بعض الرؤى حول كيفية تطوير هذه الأدوار في السنوات القادمة.

* هذه المقالة هي الورقة النقاشية الثانية ضمن سلسلة أوراق ينشرها جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين لعرض رؤيته لمسيرة الإصلاح الشامل في الأردن في مختلف المجالات.

One thought on “الورقة النقاشية الثانية: تطوير نظامنا الديمقراطي لخدمة جميع الأردنيين

  1. بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله وحده والصلاة على من لانبي بعده:

    أما بعد…

    فإننا كمواطنين وشباب من حملة البطاقات الإنتخابية نثمن عالياً مساعي قائدنا وسيدنا جلالة الملك عبد الله الثاني ابن الحسين الهاشمي القرشي الدائمة والموصولة والصادقة في الاصلاح الحقيقي الشامل الذي يتم تنفيذه من خلال فتح أبواب الحوار الوطني الشامل والتشجيع عليه من خلال “أوراق النقاش” هذه، ودعمه لكل الجهود الهادفه والفعاله في صناعة القرار والمستقبل المشرق.

    ومن أجل الانتقال “نحو تشكيل حكومات برلمانية فاعلة وشاملة”، تتكون على أساس التعددية السياسية وصون وحماية حقوق جميع المواطنين التي كفلها الدستور.

    وبعد إختيار رئيس الوزراء القادم …

    أقترح على دولة رئيس الوزراء القادم هذه الآلية لإختيار الفريق الوزاري القادم والتي ستشكله الكتل النيابية “القوائم الوطنية” الناجحة في الإنتخابات، والكوتا النسائية للحصول على الحكومة البرلمانية الشاملة، من باب التعددية السياسية وصون حقوق جميع المواطنين التي كفلها الدستور.

    أولاً: بما أن القوائم الوطنية الناجحة في الإنتخابات والحاصلة على أعلى عدد من أصوات الناخبين ستحصد محتمعة على 27 مقعد من مجلس النواب القادم، وبنسب مئوية متفاوتة، وستحصل كل قائمة في النهاية على مقعد واحد على الأقل في مجلس النواب فإنني أقترح عرض حقيبة وزارية واحدة مقابل كل مقعد نيابي حصلت عليه القائمة الوطنية في مجلس النواب القادم.

    بحيث يكون عدد المقاعد في مجلس النواب لكل كتلة نيابية هو الذي يحدد عدد الحقائب الوزارية التي تشارك الكتلة الواحدة في إختيار صاحبها “الوزير القادم” بواقع حقيبة وزارية لكل مقعد نيابي حصلت عليه القائمة الوطنية.

    وبما أن إشراك نواب في الحكومات هو من باب الاستثناء وليس القاعدة، سيكون هذا الوزير على الراجح من أعضاء القائمة الوطنية الفائزة من غير النواب المنتمين لنفس القائمة الوطنية.

    فمثلاً: يكون للقائمة الفائزة بمقعدين في مجلس النواب، وزيرين أيضاً من نفس أعضاء القائمة، وبهذا تشارك القائمة بأربعة أشخاص في مجلس الأمة، وزيرين ونائبين.

    وبزيادة عدد المقاعد المخصصة لهذه الكتلة النيابية “القائمة الوطنية” في مجلس النواب من أصل 27 مقعد، تزداد فرصة مشاركتها في إختيار أكثر من وزير “حقيبة وزارية” في الفريق الوزاري الجديد.

    ثانياً: أقترح على دولة رئيس الوزراء القادم إختيار وزيرة المرأة من الكوتا النسائية بطلب إنتخاب وزيرة المرأة من قبل الـ 15 نائبة الناجحين على الكونا النسائية.

    وبهذا تكون وزيرة المرأة من الكوتا النسائية الموجودة في مجلس النواب.

    وبهذه الطريقة تؤهل الفريق الوزاري القادم للحصول دستوريا على ثقة 41 نائباً من مجلس النواب المكون من 27 نائب من نواب القوائم الوطنية و 14 نائبة من الكوتا النسائية والذين قاموا بأنفسهم من تشكيل الفريق الوزاري القادم.

    وبهذا نضمن استمرار مؤسساتنا وأنظمتنا بالعمل على ترسيخ مبادئ تقوية المجتمع المدني، والفصل والتوازن بين السلطات، وتعزيز مبدأ التعددية السياسية، وتوفير فرصة عادلة للجميع للتنافس السياسي، وآليات الرقابة من أجل بناء نظام ديمقراطي سليم، وحماية حقوق جميع المواطنين التي كفلها الدستور.

    إذ أن أقوى وأقسى رقابة هي التي تكون من نائب القائمة الوطنية على أحد أعضائها صاحب الحقيبة الوزارية، ونفس الشيء بالنسبة للكوتا النسائية.

    ومن خلال الورقة النقاشية الثانية هذه، والتي أعتبرها منبراً للحوار الهادئ الهادف البناء، والحوار الوطني الشامل، أكتب مشاركتي هذه.

    والحمد لله الذي بنعمه تتم الصالحات

    إعجاب

أكتب تعليقك

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s